حين يشتاق الناس إلى القوقعة القديمة
حين يشتاق الناس إلى القوقعة القديمة
هل يشتاقون إليك… أم إلى النسخة التي كانت أكثر إتاحةً لهم؟
بقلم عرفة الحمادي
قال لي شخص أعرفه منذ سنوات، في منتصف حديث عابر بدأ حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى:
«أفتقد عرفة الأصلية.»
جملة قصيرة جداً ومن النوع الذي قد يمر على الإنسان مروراً عادياً؛ يبتسم، ويقول: ربما تغيّرت فعلاً، ثم يكمل يومه.
لكنني لم أستطع، ليس لأنني غضبت منه شخصياً، ولا لأنني أكره النسخة التي كان يقصدها. على العكس، أحب أجزاءً كثيرة منها. أعرف تلك المرأة جيداً.
كانت تظهر أكثر، تصوّر أكثر، تخرج أكثر، تشارك أكثر.
تتحدث أمام الكاميرا، وتحضر الفعاليات، وتدخل المساحات، وتصمّم، وتكتب، وتمارس الرياضة، وتركب الدراجة، وتقابل الناس، وتحاول أن تجعل ما تفعله مرئيًا قدر الإمكان.
كانت تؤمن بفكرة بسيطة:
إذا ظهرت أكثر، سيعرفني الناس أكثر وإذا عرفني الناس أكثر، فسيرون عملي وإذا رأوا عملي، فربما تأتي الفرصة.
منطق بسيط، بل منطقي جدًا إذا تأملناه.
في عالم أصبح فيه الإنسان مطالباً بأن يكون مشروعه وواجهته وقسم التسويق والعلاقات العامة فيه، وأن يعمل مصوّرًا ومحررًا وصانع محتوى في الوقت ذاته، بدا الظهور وكأنه جزء من العمل.
لم يكن مجرد غرور ولم يكن حبًا في أن يراني الناس.
كنت أعتقد أن الظهور وسيلة، لكنني، بعد سنوات، بدأت أتساءل:
ماذا لو تحولت الوسيلة إلى الشيء الوحيد الذي يتذكره الناس؟
ماذا لو قضيت سنوات تقول للعالم: «انظروا إلى ما أبنيه»، بينما كل ما بقي في ذاكرته هو: «كنا نراك أكثر»؟
من هي «عرفة الأصلية»؟
هذا هو السؤال الذي أزعجني أكثر من الجملة نفسها.
ما معنى «الأصلية»؟
هل النسخة الأصلية مني هي التي كانت تنشر صورها باستمرار؟ أم التي كانت تمارس الرياضة يوميًا؟
أم التي كانت أكثر اجتماعية، تركض من فعالية إلى أخرى؟ أم التي كانت تصمّم كل شيء بنفسها على «كانفا»؟
أم التي بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي لترجمة أفكار بصرية لا تستطيع تنفيذها وحدها؟
أم التي أغلقت «سناب شات»؟ أم التي خرجت من «تيك توك»؟ أم التي قررت لاحقًا أن وجود وجهها في كل منشور ليس شرطًا لبقاء العمل حقيقيًا؟ أي واحدة منهن هي الأصل؟ وهل هناك أصل واحد، أصلًا؟
نحن نحب فكرة «الذات الأصلية» لأنها مريحة. تمنحنا نقطة ثابتة وسط إنسان لا يكف عن التغيّر.
نقول:
أريد أن أعود إلى نفسي، أشتاق إلى نفسي القديمة.
لم أعد أعرف من أنا، لكنني، كلما فكرت في الأمر، أصبحت أقل اقتناعًا بأن الإنسان يحمل في داخله نسخة واحدة مكتملة وثابتة، تنتظر فقط أن نزيل عنها غبار الحياة.
حتى الطفل الذي نظنه «أنقى نسخة» من الإنسان لا يعيش خارج التأثير.
ضع طفلًا في الدوحة، ثم انقله إلى الرياض، ومنها إلى لندن، ثم إلى قرية في بلد ما، وأعده بعد سنوات إلى المكان الأول.
هل سيعود الشخص نفسه تماماً؟ بالطبع لا.
ستدخل اللغة في جسده، والمناخ في عاداته والخوف في قراراته والحب في تصوّراته والمدرسة في طريقته في القياس والبيت في مفهومه للأمان والمال في علاقته بالمستقبل والثقافة في طريقة جلوسه وحديثه ولبسه واختياره ورفضه، وحتى في إحساسه بما يعدّه طبيعيًا.
الإنسان يتكيّف وأحياناً يتكيّف إلى درجة تجعل الآخرين يظنون أنه أصبح شخصاً آخر؛ وقد يظن هو نفسه ذلك.
لكنه ربما لم يتخلَّ عن ذاته، ربما تغيّر فقط شكل تعبيرها.
الألفة ليست أصالة
كانت هذه أكثر نقطة صادمة بالنسبة إليّ.
أحيانًا، عندما يقول لنا الناس: «أشتاق إلى نسختك القديمة»، فهم لا يقصدون بالضرورة: أشتاق إلى جوهرك.
قد يقصدون، ببساطة: أشتاق إلى النسخة التي كنت أعرف كيف أتعامل معها، النسخة المألوفة، الواضحة.
القابلة للقراءة بسرعة، وجه معروف، وأسلوب معروف، وطريقة نشر معروفة، وصوت متكرر يستطيع العقل أن يقول عنه فوراً: هذه عرفة.
ثم يتغيّر الشكل. لا يعود الوجه مدخلاً لكل فكرة. تصبح الصورة غلافاً، ويكفي الصوت أحياناً. يطول النص، وتثقل الفكرة، ويقل الظهور الشخصي، ويصبح وجود الإنسان على المنصة أكثر انتقائية.
فجأة، يشعر بعض الناس أن الشخص «اختفى». لكنه لم يختفِ.
اختفى فقط الطريق الذي اعتادوا الوصول إليه من خلاله.
وهنا بدأت أفهم أمراً مهماً:
الألفة ليست أصالة.
اعتيادك نسخة معينة مني لا يمنحها حق احتكار كلمة «أنا». وكون تلك النسخة أسهل قراءةً لا يجعلها أصدق.
وكون النسخة الحالية تطلب منك أن تدخل إلى المحتوى، وأن تسمع وتقرأ وتفكر، بدل أن ترى وجهي فقط، لا يجعلها أقل إنسانية، ربما أصبحت فقط أقل قابلية للاستهلاك.
متى أصبح الوجه دليلاً على الحقيقة؟
الغريب أن النقاش بدأ حول الذكاء الاصطناعي.
قيل لي إن الصور المصنوعة أو المحسّنة بأدوات الذكاء الاصطناعي تجعل الصفحة تبدو أقل أصالة.
وفهمت الملاحظة، بل أقدّرها، هناك فعلاً محتوى أصبح متشابهاً إلى درجة الإنهاك: وجوه مثالية، وإضاءة مثالية، وبشرة لا تشبه الجلد، ومكاتب لا يستخدمها أحد، ومقاهٍ غير موجودة، وأشخاص لا يعيشون في الواقع أصلاً.
وأفهم لماذا صار بعض الناس يتجاوزون سريعاً أي صورة يشكّون في أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
هذه ملاحظة بصرية مشروعة، لكن هناك فرقاً لا أستطيع تجاهله، أنا لا أستخدم الذكاء الاصطناعي ليصنع لي عقلاً، ولا ليمنحني رأيًا، ولا ليكتب لي حياة لم أعشها، ولا ليخلق لي شخصية بديلة.
أستخدمه أحياناً أداةً لترجمة شيء موجود أساساً في عقلي.
المفهوم لي، الصوت لي، السؤال لي، التحليل لي، الاتجاه لي والقرار النهائي لي.
كما استخدمت برامج التصميم سابقاً، وكما يستخدم المصوّر الكاميرا، وكما يستخدم الكاتب الحاسوب بدل القلم.
لا تصبح الأداة صاحبة العمل لمجرد أنها أسهمت في شكله النهائي.
لكن النقاش نقلني إلى سؤال آخر:
لماذا أصبح ظهوري الشخصي شرطاً حتى يصدّق الناس أن العمل ما زال مني؟
هل يجب أن أضع وجهي على كل فكرة حتى أثبت أنني صاحبتها؟
هل يجب أن أصوّر نفسي وأنا أشرح المقال حتى يصبح المقال أكثر أصالة؟
هل يجب أن أظهر في كل مقطع حتى يطمئن المشاهد إلى أن «عرفة ما زالت هنا»؟
ومتى أصبح الوجه شهادة ملكية فكرية؟
قد يكون صوتي كافياً وقد يكون النص كافياً وقد تكون الفكرة نفسها كافية وقد أختار أحياناً أن أظهر، لكن الفرق أن يصبح الظهور اختياراً، لا ضريبة تفرضها المنصة على صاحب العمل.
كنت أعتقد أن عليّ أن أكون مرئية حتى أُفهم
هنا كان الألم الحقيقي، عندما نظرت إلى الوراء، لم أرَ مجرد صور قديمة. رأيت سنوات من المحاولة؛ محاولة أن أكون مرئية بما يكفي حتى يراني أحد كما أرى نفسي. كنت أظن أن المشكلة هي نقص الظهور، فزدت الظهور، ثم ظننت أن المشكلة في الشكل، فغيّرت الشكل، ثم في المحتوى، فطوّرت المحتوى، ثم في المنصة، فانتقلت بين المنصات، ثم في اللغة، فكتبت بالعربية والإنجليزية، ثم في المجال، فشرحت أنني لست شيئاً واحداً.
ثم في طريقة تقديم المشاريع، فبنيت أسماءً وهوياتٍ وسلاسل وملفات وعروضًا وصفحات، وفي كل مرة كان السؤال الخفي نفسه:
هل ترونني الآن؟
ولم أكن أقصد وجهي.
كنت أقصد: هل ترون كيف أفكر؟ هل ترون ما أحاول بناءه؟ هل ترون الرابط بين الأشياء؟
هل ترون أن خلف هذه الصفحة عقلاً لا يريد فقط صناعة المحتوى، بل يريد فهم الإنسان والسلوك والأنظمة والأداء والثقافة والهوية؟
لكن الظهور لا يضمن الفهم وقد يكون الإنسان مرئيًا جدًا… وغير مفهوم إطلاقاً وهذه من الحقائق التي احتجت إلى سنوات حتى أستوعبها:
أن تُرى لا يعني أن تُفهم.
العمل الذي يظل محتاجاً إلى صاحبه
ثم جاء السؤال الأصعب:
إذا كان كل عمل أفعله يحتاج إلى منصة حتى يراه الناس، وكل منصة تحتاج إلى محتوى مستمر، وكل محتوى يحتاج إلى حضور مستمر، وكل حضور يحتاج مني أن أثبت أنني ما زلت موجودة… فمن يخدم من؟
هل أستخدم المنصة لخدمة عملي؟ أم أصبح عملي وقوداً للمنصة، حتى تستمر في إظهار أنني ما زلت حاضرة؟
أكتب مقالاً، ثم يجب أن أحوّله إلى منشور، ثم إلى قصة، ثم إلى مقطع، ثم إلى تعليق، ثم إلى تصميم، ثم إلى دعوة للقراءة، ثم إلى مراقبة للتفاعل، وربما إلى إعادة نشر في مكان آخر.
وفجأة، يتحول الفعل الذي كان فكريًا في الأصل إلى سلسلة إنتاج كاملة، غايتها الأساسية إثبات أن العمل حدث.
وأنا لا أريد أن أعيش هكذا بعد الآن. لا أريد أن أصنع شيئًا فقط حتى أثبت أنني صنعته ولا أريد أن أعيش في عرض مستمر لنفسي، انتظاراً لأن يقرر شخص ما، في مكان ما: ممتاز، شاهدنا عملك؛ ربما نفكر في فرصة لك.
كم سنة يستطيع الإنسان أن يعيش بهذه الطريقة؟ ينتج حتى يُرى ويظهر حتى يُختار ويتكلّم حتى لا يُنسى.
ثم يبدأ من جديد.
لا أريد الاختفاء؛ أريد استعادة حقي في الظهور
وهنا يجب أن أكون دقيقة.
هذا ليس إعلان حرب على وسائل التواصل، ولا قراراً درامياً بمغادرة العالم، ولا غضباً من الناس، ولا احتقاراً للنسخة السابقة مني، أنا لا أريد الاختفاء لأنني حزينة. أنا فقط بدأت أرى الظهور بطريقة مختلفة. هناك فرق بين الاختفاء، وبين أن تصبح أنت من يحدّد مستوى الوصول إليك.
يمكنني أن أظهر عندما أريد، أن أتحدث عندما يكون لديّ ما يستحق القول، أن أنشر عندما يخدم النشر العمل، أن أشارك صورة عندما أرغب في مشاركتها وأن أصمت عندما لا يكون هناك شيء يحتاج إلى العرض.
لا لأن الخوارزمية ستعاقبني إن غبت، ولا لأن الناس ستنساني، ولا لأن الصفحة ستصبح أقل نشاطاً؛ بل لأنني بدأت أخيراً أفصل بين:
وجودي و إثبات وجودي.
وهذا فرق هائل، أنا موجودة حتى عندما لا أنشر، أفكر حتى عندما لا أوثّق التفكير، أتعلم حتى عندما لا أحوّل ما تعلمته إلى شرائح مصوّرة، أقرأ حتى عندما لا أصوّر الكتاب، أكتب حتى عندما لا أعلن أنني أكتب، وأعيش حتى عندما لا يشاهد أحد الحياة.
ربما كانت القوقعة القديمة جميلة… لكنها بقيت قوقعة
وأنا أحبها.
أحب المرأة التي كانت تخرج أكثر، أحب شجاعتها وحماسها وقدرتها على بدء الأشياء قبل أن تعرف تماماً كيف ستنتهي، أحب جرأتها الاجتماعية، واستعدادها للمحاولة ولا أريد محوها أو السخرية منها.
لكنني لا أريد أيضاً أن يسجنني حب الآخرين لها.
كانت مرحلة، وليست عقداً أبدياً.
ومن حق الإنسان أن يشكر النسخة التي أوصلته إلى مكان معين، ثم يكمل طريقه من دون أن يحملها على ظهره إلى الأبد. ربما هي التي علمتني كيف أظهر والنسخة الحالية تتعلم متى لا تحتاج إلى الظهور وهذا ليس تناقضاً.
هذا نمو.
ومن قال إن الأصل يجب أن يكون واحداً؟
ربما هذا هو السؤال الذي سأحتفظ به بعد كل شيء.
من قال إن للإنسان نسخة واحدة أصلية؟ ربما الأصل ليس شكلًا، ولا عمرًا، ولا مرحلة، ولا طريقة لبس، ولا عدد منشورات، ولا حتى مجموعة صفات ثابتة. ربما الأصل شيء أكثر هدوءًا: المبدأ الذي يعود إليه الإنسان مهما تغيّر شكله.
الضمير.
الإيمان.
الأسئلة التي لا تتوقف.
الطريقة التي يرى بها العالم والأشياء التي لا يستطيع أن يخون نفسه فيها.
أنا اليوم أقل ظهورًا مما كنت، لكنني لا أشعر أنني أقل مني.
بل ربما، في أشياء كثيرة، أصبحت أقرب إلى نفسي؛ لأنني لم أعد أحتاج إلى وضعها في الواجهة طوال الوقت حتى أصدّق أنها موجودة.
ربما لم أختفِ أصلاً.
ربما توقفت فقط عن استخدام وجهي دليلاً على وجودي، وعن اعتبار المنصة مرآة يجب أن تنعكس فيها كل مرحلة من حياتي حتى تصبح حقيقية ومن أراد «عرفة القديمة»، فهي لم تمت.
كانت حقيقية وجميلة ومهمة ومتعبة أحيانًا وأنا ممتنة لها.
لكنها ليست النسخة الوحيدة التي يحق لها أن تُسمّى: أنا واليوم، لا أريد أن أكون أكثر ظهوراً.
أريد أن أكون أكثر حرية في اختيار متى أظهر، ولماذا، ولمن.
أريد أن يصل العمل لأن له قيمة، لا لأن وجهي يقف أمامه.
أريد أن يكون الصوت قادراً على حمل الرسالة، والنص قادراً على الوقوف وحده، والفكرة قادرة على الحياة حتى لو لم يظهر صاحبها في الإطار، فالإنسان لا يفقد أصالته عندما يقل ظهوره وربما، أحياناً، لا يبدأ في اكتشاف معنى الأصالة حقاً… إلا عندما يتوقف عن عرض نفسه باستمرار ليثبتها.
لِنُكمل الحوار
هل اشتقت يوماً إلى نسخة قديمة من شخص تحبه؟ وهل كنت تشتاق إلى جوهره فعلاً، أم إلى سهولة الوصول إليه في ذلك الوقت؟
أرحب بتأملات القراء، والقراءات المختلفة، والأسئلة التي لا تملك إجابات سهلة. كما أرحب بالمحادثات المهنية، وفرص الكتابة، والتعاون الفكري والإبداعي والبحثي.
إذا وجدت في هذا النص شيئًا يشبهك، يمكنك أن تكتب إليّ.
عرفة الحمادي
Arafa Writes™
معمارية الذكاء الإنساني | باحثة مستقلة وكاتبة ومتخصصة في السلوك والأداء الإنساني
مؤسِّسة AW Collective Nexus™ وTHLab™
للتواصل والتعاون: inforawcn@gmail.com
لقراءة تقارير THLab™ الأصلية حول السلوك الإنساني، وواقع المؤسسات، وثقافة اللياقة البدنية، والضيافة، والقوى الخفية التي تشكّل قرارات الإنسان والأنظمة الحديثة:
© 2026 عرفة الحمادي | Arafa Writes™. جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز نسخ هذا المقال أو إعادة نشره أو توزيعه أو تخزينه أو نقله، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، من دون إذن كتابي مسبق من الكاتبة، باستثناء الاقتباسات القصيرة المستخدمة مع ذكر اسم الكاتبة بوضوح وإرفاق رابط مباشر للمقال الأصلي.
الآراء والتأملات الواردة في هذا المقال تعبّر عن رؤية الكاتبة وتجربتها الشخصية.


Comments
Post a Comment