جبل قاف: كيف صار “حقيقة على الورق” وهو أسطورة في الواقع؟

 بسم الله الرحمن الرحيم

جبل قاف: كيف صار “حقيقة على الورق” وهو أسطورة في الواقع؟

تمهيد

جبل قاف ليس جبلاً بالمعنى الجيولوجي الذي تُثبتُه الأقمار الصناعية، ولا هو اسمٌ تلتقطه كتب الجغرافيا الحديثة باعتباره معلماً يمكن الوصول إليه. ومع ذلك—وهنا موضع الدهشة—نجده حيّاً في الذاكرة الإسلامية والأدبية: يُقال إنه من زمردٍ أخضر، يحيط بالأرض، وتُنسَب إليه قصص عن الجنّ والعجائب، ويظهر اسمه في بعض تقاليد الخرائط الإسلامية القديمة، بل ويُلوّح به بعض القصّاصين عند تفسير مطلع سورة “ق”.

فكيف يجتمع هذا كلّه؟
كيف “تُرسم” الأسطورة على الخرائط؟ ولماذا تُروى كأنها جغرافيا؟
وهل حقاً ذُكر جبل قاف في الإسراء والمعراج؟ ولماذا ارتبط بحرف “ق”؟

هذا المقال يقدّم قراءة واقعية نقدية، تُمتع القارئ فكرياً دون أن تُخدّره، وتُبقي بين العقيدة والحكاية حدّاً واضحاً كحدّ السيف

إن لامست كتاباتي شيئًا هادئًا في داخلك، فدعمك يساعدني على الاستمرار في خلق محتوى صادق وعميق… من القلب، وبشكل مستقل. . PayPal.me/arafahamad
شكرًا لوجودك هنا.


 

1) هل ذُكر جبل قاف في القرآن؟

الجواب المنضبط: لا.

الذي ورد هو مطلع سورة “ق”:



﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (سورة ق: 1)

وقد شاعت، في بعض كتب القصص والتفاسير القديمة، مقولة أن “ق” اسم جبلٍ يحيط بالأرض يُقال له “قاف”. لكن كبار علماء التفسير عند أهل السنة نقلوا هذه المقولة على سبيل الحكاية، ثم نبّهوا إلى أنها من أخبار بني إسرائيل وخرافاتهم.

ابن كثير مثال واضح: ذكر أن بعض السلف قالوا “ق جبل محيط بالأرض يُقال له جبل قاف”، ثم علّق بأنها على الأرجح، من خرافات بني إسرائيل التي تسربت إلى بعض الناس.
وهذا المعنى نفسه يتبناه تحقيقات فقهية معاصرة عند أهل السنة، ويقررون أن ربط الحرف المقطّع “ق” بجبل محيط بالأرض لا يثبت، وأنه من الإسرائيليات.

الخلاصة هنا صارمة: لا يوجد نص قرآني قطعي يثبت جبل قاف، ولا علاقة ثابتة بين “ق” وجبلٍ اسمه قاف


2) وهل ذُكر جبل قاف في رحلة الإسراء والمعراج؟

النسخة “المشهورة المتداولة” لقصّة الإسراء والمعراج، كما تُعرض في المراجع الدعوية السنية العامة، تركّز على: الإسراء إلى المسجد الأقصى، ثم العروج إلى السماوات، ولقاء الأنبياء، وفرض الصلاة… ولا تذكر جبل قاف كمرحلة من مراحل الرحلة.

فمن أين جاءت العبارة إذن؟
غالباً من “التوسّعات القصصية” التي دخلت على بعض حكايات المعراج في الأدب الشعبي، حيث يحب الراوي أن يضيف مشاهد كونية: جبالاً كبرى، بحاراً، ملائكةً بأوصاف عجائبية… وهذه المواد ليست بالضرورة حديثاً صحيحاً، بل كثير منها يُصنَّف ضمن “القصص” لا “المعرفة المنضبطة”.

إذن، بدقّة:

  • ذكر جبل قاف في المعراج ليس ثابتاً في الروايات الصحيحة المشهورة عند أهل السنة.

  • وإن وُجد في بعض السرديات الشعبية، فيُعامل باعتباره أدباً لا تقريراً عقدياً.


3):لماذا يظهر جبل قاف في التراث أصلاً؟

أن جبل قاف يقوم بوظيفة مزدوجة:

  1. حدٌّ كوني: نهاية العالم المعروف في خيال القدماء مثل “حافة الخريطة” حيث يبدأ المجهول.

  2. رمزٌ نفسي/أخلاقي: “هناك شيء وراء المعرفة”، وراء المألوف، وراء المدينة والقرية والسوق.

ولهذا نجده في الميثولوجيا الشرق أوسطية عامة، لا في الرواية العربية وحدها. حتى بعض الموسوعات العامة تصفه بأنه “جبل أسطوري” في الميثولوجيا العربية والفارسية. 



4) السؤال الحاسم: لماذا وُجد جبل قاف في خرائط الإدريسي؟

هنا يجب أن نفكّ الاشتباك:
الإدريسي (صاحب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، وخريطته الشهيرة التي تُعرف باللاتينية بـ Tabula Rogeriana) كان جغرافيّاً ذا منهج، وقدّم عملاً علمياً مهمّاً في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وخرائطه تُظهر الجنوب في أعلى الخريطة، وهو أمر معروف في تقاليد رسم الخرائط الإسلامية آنذاك.

لكن: هل “الإدريسي نفسه” وضع جبل قاف كحقيقة جغرافية؟
الجواب الأدق: في “تقليد الإدريسي” (أي الخرائط والنسخ الأطلسية التي جاءت بعده أو في مدرسته) ظهر جبل قاف أحياناً بوصفه عنصراً أسطورياً على الهوامش، تماماً كما ظهرت عناصر أسطورية في خرائط أوروبية لاحقة (وحوش بحرية، جزر غامضة، شعوب عجيبة).

وهذا ليس ادّعاءً إنشائياً: هناك بحث أكاديمي يناقش “ترحال” فكرة جبل قاف عبر النصوص والخرائط، ويشير إلى حضوره في خرائط من “تقليد الإدريسي” ضمن الأطالس التي أنتجت خرائط للعالم، حيث يظهر “Gabal/Gabal Qaf” في سياق الأسطورة الجغرافية.

النتيجة المهمة:

  • وجود جبل قاف على بعض الخرائط القديمة لا يعني أنه موقع حقيقي.

  • بل يعني أن الخريطة القديمة كانت أحياناً “وثيقة علم + حافة أسطورية”.


5) كيف كانت الخرائط القديمة تسمح للأسطورة بالدخول؟

الخرائط الحديثة تُبنى على القياس: خطوط طول وعرض، مسافات، تصوير فضائي.
أما خرائط العصور الوسطى حتى عندما تكون دقيقة نسبياً، فكانت أيضاً “خطاباً ثقافياً”. تُخبرك بما يعرفه الجغرافي، وبما يتخيله المجتمع، وبما يريده الراعي السياسي/الثقافي أن يكون “حدود العالم”.

ولهذا تجد على خرائط متعددة الحضارات:

  • نهاية بحر تُسمّى “بحر الظلمات”.

  • جزر مثل “الواق واق”.

  • سلاسل جبلية ترسم كحزام يطوّق الدنيا.

  • وأحياناً جبل قاف كحاجز بين “عالم البشر” و“عالم الجن”.

فجبل قاف على الخريطة ليس دليلاً جيولوجياً؛ إنه “أدب مرسوم”.


6) جبل قاف و”ألف ليلة وليلة”: هل ذُكر أم لا؟

الليالي ليست كتاب عقيدة ولا تاريخ، بل أدب عجائبي ممتدّ النسخ والتحرير عبر القرون. لذلك قد تختلف التفاصيل بين طبعة وأخرى. لكن فكرة “جبل قاف” متغلغلة في المخيال الذي تتغذى منه الليالي: حدود العالم، الجزر البعيدة، والكيانات الغيبية التي تبدأ عندما ينتهي العقل التجاري اليومي ويبدأ الخيال.

ومن الناحية المنهجية، حتى لو ورد الاسم في بعض نسخ الليالي، فوظيفته واضحة:
جبل قاف = بوابة الحكاية.
مكانٌ لا يُقصد لذاته، بل ليفتح باب “اللامألوف” أمام القارئ.


7) مقارنة علمية مختصرة: أين يقف العلم اليوم؟

االعلم الحديث (جيولوجيا/جغرافيا/فلك) لا يترك مساحة لفكرة “جبل يحيط بالأرض” كحزام من زمرد:

  • الأرض ليست محاطة بسلسلة واحدة.

  • القارات والصفائح التكتونية معروفة.

  • لا وجود مادي لما تصفه الأخبار الأسطورية.

ولهذا كانت فتاوى وتحقيقات أهل السنة المعاصرة صريحة: القول بجبل قاف المحيط بالأرض من جنس الإسرائيليات والخرافات المتداولة.


8) قراءة أخيرة: لماذا لا يجب أن “نقتل” الأسطورة؟

لأن الأسطورة حين تُقرأ بوعي ليست منافسة للعلم، بل مرآة للإنسان.

جبل قاف يقول لنا:

  • هناك دائماً “حد” لما نعرفه.

  • وراء حدود الإدراك مساحة للغموض.

  • والخوف القديم من المجهول يتجسد في جبلٍ أخضر يطوّق العالم.

الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها؛ يعيش أيضاً بالمعاني. لكن العاقل، وهذا هو الفرق يميز بين المعنى الجميل والحقيقة المثبتة


مراجع مختارة (موثوقة قدر الإمكان)

  • تفسير ابن كثير لمطلع سورة “ق” والتنبيه على كون “ق جبل قاف” من الإسرائيليات.

  • فتوى/تحقيق حول كون نسبة “ق” إلى جبل محيط بالأرض من خرافات بني إسرائيل.

  • مادة أكاديمية عن “ترحال” جبل قاف عبر النصوص والخرائط، وإشارات إلى حضوره في تقليد خرائط الإدريسي.

  • معلومات وصفية عن خريطة الإدريسي واتجاهها (الجنوب في الأعلى) عبر مصدر أرشيفي مصوّر.

  • قراءة سياقية حديثة عن خريطة الإدريسي بوصفها مزيجاً من مدارس معرفية (مع ضرورة التعامل معها كمقال ثقافي لا مرجع أكاديمي صارم).

  • عرض عام لقصة الإسراء والمعراج المتداولة دون ذكر جبل قاف ضمن السرد الأساسي. 



إن لامست كتاباتي شيئًا هادئًا في داخلك، فدعمك يساعدني على الاستمرار في خلق محتوى صادق وعميق… من القلب، وبشكل مستقل. . PayPal.me/arafahamad 

شكرًا لوجودك هنا.


عرفة الحمادي
متخصصة في التطوير الإنساني والسلوكي
باحثة في الهوية والوعي الثقافي



Instagram: @arafas.world
LinkedIn: @arafaalhammadi
My Digital Product (Reflection Journal): gumroad.com/arafaalhammadi

جميع الحقوق محفوظة © 2026
Arafa’s World™ — AW Collective Nexus


Comments